Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

أختاه:أنت الأمل! سلسلة لهــا

عرض المقال
أختاه:أنت الأمل! سلسلة لهــا
2206 زائر
12/04/2007
غير معروف
الشيخ على ياسين
بسم الله الرحمن الرحيم
أختاه:أنت الأمل!
الحمد لله رب العالمين ، الرحمن الرحيم ، ولي الصالحين ، وخالق الخلق أجمعين ، وديان يوم الدين ، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين ، وإماما للمتقين ، الهادي الأمين ، والبشير النذير ، والسراج المنير 0
( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون) ،أما بعد:-
إليك أيتها الجوهرة المكنونة ، والدرة المصونة ، عبارات بعبرات سطرتها ، وكلمات بحبي وخوفي مزجتها ، إليك أيتها الغالية كتبتها 0
أماه يا درة تزايد في قلبي حبها ، أختاه يا جوهرة غمرتني بعطفها ، ابنتي يا لؤلؤة لفني برها وحنانها0
فتاة الإسلام يا من جمعني وإياك أخوة الدين ، وشرع الله المتين ، يا أيتها السحابة الهتون ، والأخت الحنون0
أختاه أنت الأمل حينما فقد الأمل ، أنت زهورا أينعت ترفض ألاعيب الهزل ، أنت العزيزة يا أمل ، في القلوب لك محل ، بحقك قرآنا نزل ، أنت العزيزة حينما العز اضمحل ، أنت الكريمة وبساحتك الكرم حصل ، أنت العفيفة وأخلاقك بالعفة تدل ، فيك الفضيلة أشرقت بنورها الباهي تطل0
أختاه يا مربية الأجيال ، يا صانعة الرجال ، يا أخت الأبطال ، إن ذكر المجد فأنت رأسه ، وإن تفاخروا بنجوم ليل فأنت قمره ، وللصحو شمسه 0
هذه رسائل أهديها إليك ، وورودا أنثرها بين يديك ، وثمارا أرجو أن تستطيبي طعمها ، وإن وجدت في أحداهن مرارة ، فاعذريني ، فالعجلة في القطاف أورثت ما تسمعين ،أو قد تكون مرارة الدواء ،التي يعقبها الشفاء بإذن الله0
هي وقفات ، مع أخوات ، زلت بهم الأقدام والخطوات ، وكانت بعدها العثرات والتعثرات، وسالت منهم العبرات على الوجنات، وحل بهم الهم والغم والحسرات ، فأصبحن في الدنيا يتخبطن تعيسات ، تعصف بهن الآلام والندم والتأسفات 0
وهي بشائر ومبشرات ، لجواهر مكنونات ، رفضن أن يكونوا من الساقطات ، وأبين إلا أن يسطرن في التاريخ صفحات ، فكن عاليات ، غاليات ، حافظات ، عفيفات ، عزيزات ، مصونات ، مكرمات ، صانعات للعز ، وللمجد هن الصانعات 0
فهي أيتها المسددة افتحي آذان قلبك ، قبل آذان رأسك ، وتأملي يا رعاك ربك0
الوقفة الأولى :أختاه تنبهي
روى الحاكم في المستدرك ، والبيهقي في الدلائل عن سلمة بن سعيد قال : بينما امرأة عند عائشة رضي الله عنها إذ قالت : بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، على أن لا أشرك بالله شيئا ، ولا أسرق ولا أزني ، ولا أقتل ولدي ، ولا آتي ببهتان أفتريه من بين يدي ورجلي ولا أعصي في معروف فوفيت لربي و وفا لي ربي فوالله لا يعذبني الله ، فأتاها في المنام ملك فقال لها : كلا ، إنك تتبرجين ، وزينتك تبدين ، وخيرك تنكدين ، وجارك تؤذين ، وزوجك تعصين ، ثم وضع أصابعه الخمس على وجهها ، وقال : خمس بخمس ،ولو زدت لزدناك ، فأصبحت وأثر الأصابع في وجهها0 نهاية الظالمين46
أختاه ماذا أقول وبماذا أبدأ ، ماذا أقول وقد رأينا أخوات لنا خالفن الصواب ، ولبسن ما يعاب ، وأغضبن الملك الوهاب ، ماذا أقول وقد هتكن بعضهن الحجاب ، واستبدلن عوضا عنه الفرنسية والكاب ، والمخصرة وذات النقوش والزينة ، ما احترق من فحشه غيرة الفؤاد ، وتفتت حسرة وألما الأكباد0
بل زاد الطين بلة ، سيقان عارية ، وأيدي مكشوفة ، وعيون فاتنة ، وخدود بادية ، من وراء نقاب ظنوه غطى و ستر ، والذي تبقى مستورا أقل مما ظهر ، أو لثاما غطى من الوجه نصفه القبيح ، أو أظهر الحسن ، أو زين القبيح0
فلا إله إلا الله ، ورحماك يا الله ، هل هذا هو الحجاب الذي به ربنا أمر ، هل هذا الذي حث عليه سيد البشر ، هل هذا هو الذي تدعو إليه السليمة من الفطر0
أختاه قفي مع هذه الآية وتأملي فيها يا رعاك الله ، قال تعالى((ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن ، وتوبوا إلى الله جميعا أيه المؤمنون لعلكم تفلحون))النور31 ،ذكر المفسرون : أن في هذه الآية نهي للمؤمنات أن يتشبهن بالجاهليات التي كن يضربن بأرجلهن في الأرض ليسمع صوت الخلخال ، الذي هو مستور لا يرى0
فتأملي يا أخيه كيف نهى عن الصوت حتى لا يعلم زينة ما خفي ، فأسألك بالله أيهما أحق بالستر والصون الخلخال ، أم القدم التي تلبسه ، الأساور أم اليد التي ما زاد جمالا إلا بها ، الخواتيم أم الأنامل التي ما اكتسبت بهاؤها إلا فيها ، القلادة أم العنق التي ألتفت حوله0
وانظري إلى هذه الصحابية الجليلة التي سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ينهى عن الإسبال وما فيه من الكبر والإسراف وما قد يعلق بالثياب من القذارة من جرائه ، فتسمع ذلك النهي فخشيت أن تنكشف 00ماذا ينكشف00 وجهها ، ساقها ، يدها ، لا00 بل ، قدمها ، خشيت أن تنكشف قدمها ، تلك القدم التي ليست موطن الجمال والزينة ، ولا مدار الحسن والفتنة ، تلك القدم التي ليس فيها عيون عسلية ، أو شفاه وردية ، أو خدود جذابة ، تلك القدم التي لا تتكلم ولا تتبسم ، التي ما تغني برموشها الشعراء والعاشقون ، ولا تفنن في وصف تقاسيمها الواصفون0
فأتاهن الأمر منه عليه الصلاة والسلام أن يرخين ثيابهن شبرا ، فقالت إذا تنكشف أقدامهن ، فقال يرخين ذراعا لا يزدن على ذلك0
فهل يعقل أختاه أن يأمر الشارع الحكيم بتغطية القدم ، و يسمح بكشف الوجه أو بعضه ، أو بإظهار الساقين أو اليدين أو الساعدين ، فهل من متأمل معتبر0
لحد الركبتين تشمرينا بربك أي نهر تعبرينا
كأن الثوب ظل في صباح يزيد تقلصا حينا فحينا
تظنين الرجال بلا شعور لأنك ربما لا تشعرينا
أختاه الحجاب ، الحجاب ، عبادة جليلة ترضين بها رب الأرباب0
الحجاب : حفظ للأعراض من الذئاب ، وحراسة شرعية عن كل نابح من الكلاب ،يدفع أسباب الريبة والفساد ، ويغلق أبواب الفتنة على العباد0
الحجاب :طهارة لقلوب المؤمنين والمؤمنات ، يعمرها بالتقوي وتعظيم الحرمات0
الحجاب : يدعو إلى مكارم الأخلاق من العفة والاحتشام والحياء والغيرة ، وهو سد منيع أمام التلوث بالرذائل والتبذل والتهتك والسفالة والفساد0
الحجاب : وقاية اجتماعية من الأذى ، ودواء فعال للخنا والزنا ، يعالج قلوب المرضى من الرجال والنساء ، فيقطع الأطماع الفاجرة ، ويكف الأعين الخائنة ، يحمي المحصنات من رميهن بالفواحش والمنكرات ، ويصون أعراض العفيفين والعفيفات من الطامعين والطامعات0
الحجاب : علامة شرعية على الحرائر والطاهرات ، ومفخرة لهن بين الساقطين والساقطات ، فهو علامة على صلاح الظاهر الدال على صلاح الباطن ، فالعفة تاج على رؤوس العفيفات ، اكتسبنه بالحجاب وطاعة رب البريات0
الحجاب : يمنع نفوذ التبرج والسفور والاختلاط في أهل الإسلام ، ويحميه من تفشي الفواحش والعلل والإجرام والآثام0
ذكر صاحب كتاب ( للفتيات فقط) هذه الوقفة قائلا : كانت تتسوق في أحد المحلات التجارية ، شكلها ولباسها لا يدل على أنها مسلمة عربية ، تلبس الجينز ، وقميصا فاقع اللون ، فإذا بها أمام امرأة متحجبة حجابا كاملا ، فإذا بها تصرخ بها ساخرة متهكمة : حجاب هنا ؟ دعينا من هذا التخلف ، فالتفتت إليها تلك المرأة المتحجبة ولم ترد عليها ، فكررت الفتاة سخريتها ، فقالت لها المرأة المتحجبة : عفوا لا أعرف اللغة التي تتكلمين بها ، فضحكت الفتاة وأخبرتها لماذا هي ساخرة منها ، فقالت لها المرأة المتحجبة : اسمعي ، أنا أمريكية عشت العري والخلاعة أصالة ، و أعرف تماما ماذا جلب لنا العري من بلاء ، ولكن أحمد الله أن هداني للإسلام وشرع لنا الحجاب ، لقد صار لأجسادنا وذواتنا قيمة بعد أن كنا ألعوبة للغادين والرائحين ، افهمي يا مسكينة هذا الكلام جيدا وانتبهي لنفسك ولا تكوني صورة سيئة عن مسلمات العرب ، وانهالت عليها بالنصائح حتى ذهلت تلك الفتاة المتبرجة وبدأت تبكي وكانت صدمة لها لم تنسها لأيام ، قال قريبون منها : فلبثت أسبوعا لا تخرج من دارها ثم رأيناها تخرج محتشمة بحجابها معتزة بإسلامها0
فليقولوا عن حجابي لا وربي لن أبالي
قد حماني فيه ديني وحباني بالجلال
زينتي دوما حيائي واحتشامي هو مالي
أختاه لك أن تتخيلي مجتمعا نزع حجابه ، وذهب حياءه ، وتبرجت نساؤه ، إنك سوف ترين حظيرة للبهائم والعجماوات ، وغابة للوحوش والحيوانات ، لكن أختاه دعيني أقطع عليك حبل أفكارك وتخيلاتك ، إن الذي تتخيلينه من مجتمع ساقط منحل ، موجود في دنيا الواقع ، نعم موجود إنها تلك المجتمعات الغربية التي في بحور الدنس والخطايا يتخبطون ، وفي حمأة الرذيلة والفساد يخوضون ،
ففي رائدة الحضارة في القرن العشرين كما يزعمون يوجد أكثر من نصف مليون عملية اغتصاب سنويا ، في لوس أنجلوس لوحدها يوجد بين فتيات سن الرابعة عشر واحدة من ثلاث معرضة للاغتصاب ، وفي عام واحد أدخل إلى غرف الطوارئ في مستشفيات المدينة ثلاثة آلاف وستة وأربعين ضحية اغتصاب ، أي عشر حوادث اغتصاب في كل يوم في مدينة واحدة ، أما في نيويورك فقد صرح المجلس الصحي فيها أن ربع طالبات الثانوية حبالى ، وأن البكارة مفقودة تماما ، وأتى في أحد الإحصائيات أنه يسقط في أمريكا مليون حمل سنويا على الأقل ، ويقتل آلاف الأطفال فور ولادتهم ، وفي عاصمة كولورادو تبلغ نسبة الحبالى في طالبات الثانوية ثمانية وأربعين في المائة 48% ، وفي فرنسا المغتصبات أكثر من مائة ألف امرأة ، وفي ألمانيا تغتصب امرأة في كل ربع ساعة ، وهذا قليل من كثير ، وإحصائيات قديمة0
وبعد ذلك ينتقد الأفاكون ، ينتقدون عليك عفافك ، وسترك ، وحياءك ، ماذا يريدون ، يريدون أن تكونوا مثل نسائهم من يد ساقط إلى يد فاجر ، أو مثل بناتهم من حفرة جريمة ، إلى وكر فساد ورذيلة ، إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا ، ذكر لي شاب قطع دراسته و عاد فارا بنفسه من تلك المستنقعات الآسنة ، قال من الطبيعي في تلك المجتمعات النتنة أن يدخل الأب إلى منزله ، ويأتي إلى غرفة ابنته فيرى معها صديقها ، أو عشيقها في وضع لا يكون حتى من الرجل مع زوجته ، فيعتذر الأب ويتأسف لأنه أزعجهما ويغلق الباب وينصرف 0
أختاه أنهم يريدونك أن تكونوا هكذا ، فما هو ردك يا فتاة الإسلام ، أختاه إنك تواجهين حربا لا هوادة فيها، وفتنا شيطانية لا هوادة فيها ، إنك تواجهين تحديا لدينك ، لأخلاقك ، لعفافك ، لطهرك ، بل لكل مظاهر الخير والحياء لديك ، إنها حرب مكشوفة ، وإفساد معلن ، هيؤوا لك كل مغر وجديد ، وحجبوا عنك الحق وكل نافع ومفيد ، فهل تصمدين وكيف تردين يا حفيدة خديجة وعائشة وفاطمة وصفية وخولة والرميصاء0 ردوا عليهم :
بيد العفاف أصون عز حجابي وبعصمتي أعلو على أترابي
وبفكرة و قادة و قريحة نقادة قد كملــت آدابــــــــي
ما ضرني أدبي وحسن تعلمي إلا يكون زهرة الألبـــــاب
ما عاقني خجلي عن العليا ولا سدل الخمار بلمتي ونقابي
أختاه يا جوهرة مكنونة ، ودرة مصونة ، تأملي معي هذه القصة وانظري إلى العفة في أبهى صورها ، وإلى العزة بوجهها المشرق ، ذكرها الشيخ أحمد الصويان قال ( كنت في رحلة دعوية إلى بنجلاديش مع فريق طبي أقام مخيما دعويا لعلاج أمراض العيون ، فإذا بشيخ وقور يتقدم إلى الطبيب ومعه زوجته تتقدم في تردد وارتباك ، ولما اقترب الطبيب المعالج منها إذا بها تبكي وترتجف من الخوف ، فظن الطبيب أنها تتألم من المرض ، فسأل زوجها فقال له الزوج وهو يبكي أيضا : إنها لا تبكي من الألم ، بل تبكي لأنها ستضطر أن تكشف وجهها لرجل أجنبي ، لم تنم البارحة من القلق والارتباك ، وكانت تعاتبني كثيرا : أو ترضى أن أكشف وجهي ؟ وما قبلت أن تأتي للعلاج إلا بعد أن أقسمت لها أيمانا مغلظة بأن الله تعالى أباح لها ذلك للاضطرار ، والله تعالى يقول ((فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه ، إن الله غفور رحيم)) البقرة173 ، فلما اقترب منها الطبيب ، نفرت منه وقالت: هل أنت مسلم ؟ قال : نعم و الحمد لله ، قالت : إن كنت مسلما ، فأسألك بالله ألا تهتك ستري ، إلا إذا كنت تعلم يقينا أن الله أباح لك ذلك ، فأجريت لها العملية وتمت بنجاح وعاد إليها بصرها0
ويحدث عنها زوجها أنها قالت : لولا اثنتين لأحببت أن أصبر على حالي ولا يمسني رجل أجنبي : قراءة القرآن ، وخدمتي لك ولأولادك)أنين الغيرة32
الله أكبر على هذا العفاف والحياء ، والطهر والستر والنقاء ، يهون عليها فقد نور البصر ، وأن تسير وتتعثر بالحجر ، وتسقط على أذى أو في حفر ، ولا يظهر شيء من وجهها ولا يخدش ناظر سترها ، ولا تفقد عزها و حجابها0
كم من فتاة زهت بالطهر صادقة إذ لقنت بيتها القرآن والسننا
وكم من فتاة هوت من أوج منزلها بالانحراف وراحت تدفع الثمنا
أختاه قارني بين هذه العفيفة الطاهرة النقية وبين تلك الفتاة التي خرجت إلى السوق ببنطالها الضيق ، وبلوزتها المفتوحة ، وعباءتها الشفافة المطرزة خرجت فاتنة مفتونة ، فرأتها أخت صالحة غيورة مشفقة فدنت منها وناصحتها وذكرتها ووعظتها ، وختمت نصيحتها بقولها : ماذا لو جاءك ملك الموت وأنت بهذه الهيئة ؟ فردّت ساخرة : إذا جاء ملك الموت سأتفاهم معه ، لا إله إلا الله ، إذا أتاها ملك الموت ستتفاهم معه ، ملك الموت الذي كسر ظهور الأكاسرة ، ودمر قصور القياصرة ، ودق أعناق الجبابرة ، ملك الموت ما تفاهم معه فرعون والنمروذ و لا هامان وقارون ، أهلك الأمم والجمعات ، وأفنى الأسر والمجتمعات ، فنسأله سبحانه ألا يعاملنا بما فعل السفهاء من ، تقول الأخت الناصحة فانصرفت عني ، وبعد انصرافها بدقائق ، رأيت جمعا من الناس قريبا مني اجتمعوا على شيء ، فلما نظرت إلى ما اجتمعوا عليه وإذا هي صاحبة البنطال ، قد سقطت عباءتها وظهر بنطالها وانكشف ما بقي من سترها وهي مجندلة لا حراك فيها ، أرسل الله إليها ملك الموت لتتفاهم معه (( قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون))0
قل لمن بعد حجاب سفرت أبهذا يأمر الغيد الشرف
أسفورا والحيا يمنعه وتقى الله وآداب السلف
إنما النظرة سهم نافذ فاحذري أن يخرق السهم الهدف
وليست المرأة إلا درة أيكون الدر غير الصدف
الوقفة الثانية :ذئاب بشرية
أختاه يا من تبحثين عن الحب ، وأسهر ليلك فتى الأحلام المنتظر ، وشغل تفكيرك عش الزوجية السعيد ، إنني وأنا أقف مع أمنياتك ، وألمس معاناتك ، أشكر فيك العفة والحياء ، وقبل ذلك مراقبة رب الأرض والسماء ، الذي حماك أن تزل قدمك أو لسانك في شباك منسوجة لمغفلات ، وقعن فيها وكانت الويلات والحسرات0
نعم أختاه هناك أخوات عضوا على أصابع الندم على ما فات ، فقفي معي على هذه العبارات التي تقطر عبرات ، حماك الله من ذئاب الغفلات :
قالت وهي تذرف دموع الندم : كانت البداية مكالمة هاتفية عفوية ، تطورت إلى قصة حب وهمية ، أوهمني أنه يحبني وسيتقدم لخطبتي ، طلب رؤيتي ، رفضت ، هددني بالهجر ، بقطع العلاقة ، ضعفت أرسلت له صورتي مع رسالة وردية معطرة ، توالت الرسائل ، طلب مني مرة أخرى أن أخرج معه ، رفضت بشدة ، هددني بالصور ، بالرسائل المعطرة بصوتي في الهاتف الذي كان يسجله ، خرجت معه على أن أعود في أسرع وقت ممكن ، لقد عدت ، عدت ولكن وأنا أحمل العار ، قلت له الزواج ، الفضيحة ، قال لي بكل احتقار وسخرية أنا لا أتزوج فاجرة0
وهذه معاناة أخرى وجرح يثعب دما ، تقول : تعرفت عليه ، كان يحادثني ويمنيني بالزواج ، عيشني أحلاما سعيدة ، بنى لي قصورا على موج بحر الأوهام ، وإذا بي أستيقظ من سبات الغفلة ، بعد أن أخذ مني أعز ما أملك ، طلبت منه تصحيح غلطته فكان النتيجة الكذب والخداع والتهرب ثم اختفى ، اختفى بعد أن دمرني ، أصبحت في حالة نفسية سيئة ، في هم وغم ومعاناة ، كلما تقدم لي خاطب تعللت بدراستي ، وعدم تفكيري بالزواج ، فلا أحد يعرف المانع الحقيقي إلا ذلك الحبيب المزعوم الذي اختفى ولم يظهر إلى الآن ، ولا أظنه سوف يظهر0
وهذه دمعة من دمعات ، قصة وقفت عليها وآلمتني أحداثها ، إنها لذلك الشاب الذي أخبرني عن أخته أنها مسحورة ، وطلب مني الوقوف على حالتها ، وذكر لي من حالها أنها لا تأكل ولا تشرب ولا تتحدث مع أحد ، وأنها يخشون عليها أن تموت جوعا أو عطشا ، فسألته عن معاناتها ، فأخبرني ولاحظت عليه الحرج الشديد ، فقلت له إنني أرى عليك الحرج الشديد وأظن أنك تخفي عني شيئا ، فالمصارحة والوقوف على أسباب علتها قد يساعد في علاجها ، فأخبرني : أنها كانت على علاقة بشاب عبر الهاتف منذ أربع سنوات ، لم تره ولم يرها، فهو في مدينة بعيدة ، كان حبا عبر أسلاك الهاتف لم يتقابلا أبدا خلال تلك المدة ، ثم أراد الله لتلك العلاقة أن تنكشف عن طريق أحد الأخوة ، عاقبناها وأدبناها ومنعناها، لكن ما زادها ذلك في الشاب إلا تمسكا وحبا وتعلقا ، وامتنعت عن الطعام والشراب ، فخشينا عليها من التلف والموت ، فتشاورنا فيما بينا ، واتفقنا أنه إذا كان شخصا مناسبا زوجناها عليه ، فاتصلنا على ذلك الشاب ، فكان مما قلنا له أيها الشاب إن الذي يريد الحلال يأتي مع الباب ، ونحن لا نمانع من تزويجك لبنتنا ، فحياك الله ، والباب مفتوح ، فرد علينا ردا سيئا وأنه لا يريدها ، فأخبرناها فلم تصدقنا ، فهاتفناه مرة أخرى وهي تسمع فأعدنا الكلام له أننا لا نمانع من زواجه بها ، فرد علينا قائلا : أنا لا أتشرف أن أتزوجها ، امرأة كانت تحدثني في الهاتف كيف أثق بها ، أنا لا أريدها ، ولن أتزوجها ، نزلت تلك العبارات عليها كالصاعقة فكانت صدمة عنيفة لها ، سببت لها ما ترى0
أختاه هذه أمثلة وغيرها كثير لفتيات خدعن باسم الحب ، سرن بعواطف عمياء ، وأشواق هوجاء ، وسلمن أنفسهن ، لذئاب الفضيلة ، وكلاب الرذيلة ، فكانت النتيجة أن تجرعوا ، كأس الشقاء والخسران ، ومرارة الذل والهوان0
أختاه إن أولئك العاشقين الكاذبين ، والأحباب الغادرين ينقسمون إلى قسمين : إما ذئب غادر ، وجبان فاجر ، يسعى لشهوته ، وتحقيق رغبته ، فإذا قضى وطره ، ألقى بتلك المخدوعة في قارعة الطريق ، بجوار أقرب حاوية للنفايات0
وهذا القسم هم أكثر الأحباب المزعومين ، وهم الشريحة العظمى من المعاكسين ، يقول أبو عبد الله وهو أحد التائبين من المعاكسات : ما كان بودي أن أسجل هذه الاعتراف لولا إحساسي بالمسئولية تجاه الله عز وجل ، ولتحذير بعض الفتيات المغفلات اللاتي يسعين وراء وهم اسمه الحب ، كنا ثلاثة من الأصدقاء ، يجمع بيننا الطيش والعبث ، كلا بل أربعة فقد كان الشيطان هو رابعنا ، كنا نخطط لاصطياد الفتيات الساذجات بالكلام المعسول ، ونستدرجهن للخروج معنا إلى المزارع البعيدة ، وهناك يفاجأن بأننا قد تحولنا إلى ذئاب بشرية لا ترحم بعد أن ماتت قلوبنا ، ومات فينا الإحساس ،فلم نعد نصغي إلى توسلاتهن ، وقد أصبحن في حال يرثى لها ، هكذا كنا ، وهكذا كانت أيامنا وليالينا في المزارع والمخيمات وعلى الشواطئ ، إلى أن جاء اليوم الذي استيقظت فيه من الغفلة ، وعدت إلى الله فالحمد لله على نعمة الهداية )0
وفي أحد التقارير سئل شاب عن حبيبته كيف هي في نظره ؟ فأجاب : والله ما أنا إلا كالبحار آخذ الصدفة فأفتحها ،فآخذ لؤلؤتها ثم أرمي بالصدفة0
وفي مقابلة مع شباب سجناء وهم كلهم معاكسون عن طريق الهاتف ، سألوا هل تفكرون بالزواج من أحد منهن قالوا أجمعون : لا نفكر حتى ولا بالاقتراب من عوائلهن لنخطب منهم ، إن تلك الفتيات ما هن إلا دمىّ نلعب بهن كما يلعب الطفل بدميته ثم يمل منها فيتركها ، فنحن كذلك نمل منهن ثم نتركهن ، ولا نبالي بهن ،فنحن لا يلحقنا شيء وهن يحاسبن أنفسهن0
فقيل لهم : هل تتركون المرأة تتمتع كما تتمتعون ؟ قالوا : والله لا نعتبرها إلا ساقطة أسقط المجتمع وأتفهه ، وإن أظهرنا لها أنها أعقل المجتمع وأحسنه ، ونعتبرها سافلة ، حتى أننا لا نعتبرها إلا كالجارية نعمل بها ما نشاء0
أختاه أيتها العاقلة اللبيبة هل تأملت في كلام هؤلاء الشباب ، إن تفكيرهم فقط في قضاء شهوة عاجلة ، ولذة عابرة ، تتحمل آثامها وتتجرع آلامها المرأة ، وبعد ذلك فهي سافلة ، ساقطة ، ماجنة ، في أعينهم ، لا تستحق الحياة الطاهرة الكريمة ، ولا العيشة العفيفة النقية0 وصدق ابن حزم رحمه الله ( إن أول من تهون في عينه الزانية ، من يزني بها)0
أختاه وهناك قسم آخر من أولئك المعاكسين وهم قلة ، بل أقل من القلة ، وهو من يفي بعهده ، ويتمم وعده ، فيتزوج من تلك الفتاة التي أفسدها ، بعد معاناة وعذاب وحرب نفسية له ولها ،و غالبا إن لم يكن من المؤكد تدور في خاطره هذه التساؤلات : كيف يطرح ثقته فيمن خانت ربها وأهلها وفرطت في عرضها ؟ فيكون نتيجة تلك الوساوس الإحجام والإعراض عن تلك الفتاة وذلك الزواج الفاشل في نظره ، و الاستمرار معها للذته وشهوته ، مع الأماني الباطلة والوعود الكاذبة بزواج قريب سعيد0
وقد يتزوجها ، فيبنى زواجهما على الشك والريبة والحيرة ، والعذاب النفسي ، وغالبا يكون مصير ذلك الزواج الفشل ، وتأملي أختاه في هذه القصة ، التي يحكيها أحدهم :
كنت أطارد النساء أينما حللن وكانت لي مغامرات لا يعلم بها إلا الله ، هذه المغامرات التي فتحت لي اليوم أبواب المشاكل وعصفت بنفسيتي وجعلتني أستعيد كل لحظة مع إحداهن ، فحياتي الزوجية مهددة بسبب تلك العلاقات، أقولها بمرارة كبيرة ، لأنني أتصور أن زوجتي الآن تمارس نفس الدور ، وأن حركة يدها في السوق تعني شيئا لواحد ينتظرها ، أو أن لفتتها حتى ولو كانت عفوية في السيارة تعني شيئا ، بل أكثر ما يطحن في نفسي هو أنها إذا أمسكت سماعة الهاتف وتحدثت مع أخواتها أو صديقاتها ، أظل ساكنا متابعا لكل كلمة تنطقها ، وكثيرا ما جلست أحلل كلماتها ومعانيها ، إذ أنها ربما تعمل مثل صاحباتي السابقات اللاتي كن يتحدثن معي على أنني إحدى زميلاتهن أو صديقاتهن ، ثم يقول ذلك البائس : لا أدري ماذا أصنع حيال هذا الموقف العجيب الذي أعيشه ، إن بي رغبة في أن أريح نفسي من هذا العناء ، إلى درجة أنني فكرت في تطليق زوجتي وهو الحل الأسلم الذي أراه أمامي ، وفكرت بعد طلاقها أن لا أتزوج بعدها0
أختاه إن الذي جرّ إلى هذه المآسي ، والجراح النازفة ، أسباب أسوقها إليك على كف الحب والخوف والشفقة ، تأمليها ، واحذريها ، وبلغيها وانشريها حتى لا تقع كل حرة عفيفة فريسة لذلك العذاب ، وتندم ساعة لا ينفعها الندم0
أولا:عدم الخوف من الله ومراقبته في السر والعلن ، واستشعار أن الجهر عنده علانية ، مطلع على كل معلنة وخافية0
ومن الأسباب : التساهل في رد الفتاة على الهاتف ، فالأولى أن يرد الرجل على الهاتف ، فهذا أسلم للطرفين ، وإذا لم يكن هنالك رجل فترد المرأة الكبيرة العاقلة أو الصبي المدرك0
ومن الأسباب : الخضوع في القول أو زيادة الكلام من غير حاجة ،فالمرأة مأمورة في كتاب ربها بعدم الخضوع في القول ، لأنه هناك من في قلبه مرض، والله تعالى يقول (( فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا))
ومن الأسباب : التقليد الأعمى لما يسمع ويشاهد ، فحينما يسمع الشاب والشابة من الكلمات الماجنة الساقطة والعبارات التي تتحدث عن الحب والغرام ، تتشبع نفسه بها فيحاول محاكاة ما يسمعه ويشاهده ، عن طريق المعاكسات أو غيرها من الوسائل0
ومن الأسباب :نزول النساء إلى الأسواق بدون محرم ، أو مع طفل صغير لا يدرك ، فهذا مما يجرئ الفسقة والسقطة والمعاكسين عليهن0
ومن الأسباب :الترقيم ، وهذا وللأسف يفعله بعض الشباب وهو رمي رقم هاتفه للفتيات ، فيصادف من قل حياؤها وضعف دينها فتبادر إلى أخذه وهي بذلك تخطو الخطوة الأولى نحو الهاوية0
ومن الأسباب : المراسلة بين الجنسين ، وهي من البلاء الذي تقوم به بعض المجلات الهابطة ، وهو ما يسمونه بالتعارف ، أو الصداقة والزمالة ، صداقة وزمالة بلا حدود أو قيود ،فيتم تبادل الرسائل ، ثم الصور ، ثم الحب الغرام ، والعشق والهيام0
ومن الأسباب : الرفقة السيئة ، العدو القريب ، فكم عرض انتهك بأسباب صديقة خبيثة زينت المنكر ، وحسنت القبيح ، وقد قال عليه الصلاة والسلام (المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل )0
وصدق القائل : عن المرء لا تسل وسل عن قرينه
إن القرين بالمقارن يقتدي
ومن الأسباب : عدم الإرشاد الصحيح والتوجيه البناء، والتربية الصالحة ، والمعاملة الحسنة في البيت0
ومن الأسباب : الفراغ القاتل ، فمن كان وقته مشغولا بما يرضي الله ، من الطاعات ، لن يجد وقتا للعبث والمعاكسات0
وكما قيل : إن الشباب والفراغ والجدة مفسدة للمرء أي مفسدة
ومن الأسباب : غياب الرقيب عن المنزل وخارجه ، وإهمال المتابعة المستمرة ، تلك المتابعة التي لا تحمل في ثناياها الاتهام والشكوك والظنون السيئة ، إنما هو حرص على فلذات الأكباد0
ومن الأسباب : تأخير الزواج ، إن الزواج هو الطريق الشرعي لتفعيل العواطف ،و تفريغ ما في النفس من شهوة فطرية وضعها الله في قلب الشاب والشابة ، فإذا أغلق هذا الباب فيخشى أن يؤدي ذلك ، للبحث عن طرق محرمة لتفريغ تلك الشحنات التي تتزايد يوما يعد يوم0
ومن الأسباب : السهر ، فخفافيش الليل ولصوص الأعراض غالبا لا ينتشرون إلا في الليل0
ومن الأسباب : التبرج والسفور ، فالمرأة إذا خرجت متبرجة سافرة ، فكأنها تقول للشباب هلموا إلى وأقبلوا ، فالشاب إذا رأى فساد الظاهر ، ظن أنه دليل على فساد الباطن0
ومن الأسباب : فضول النظر وعدم غض البصر، والنظر سهم من سهام إبليس كما قال عليه الصلاة والسلام0
ومن الأسباب : الاختلاط بين الجنسين ، وهذه مصيبة منتشرة عند البعض بسبب العادات والتقاليد ، أو باسم الحضارة والخروج عن الرجعية0
ومن الأسباب :إعطاء المال بلا حساب ولا متابعة ، و الثقة العمياء ، والزواج من غير ثقة ، والاغترار بالمظاهر البراقة في هذه الدنيا الزائلة ، من سيارة فخمة ، أو بيت جميل ، أو محل شهير، وهو مما تغتر به بعض الفتيات فيكون طعما لاصطيادهن0
ومن الأسباب وهو من أعظمها ،وما أخرته إلا لعظيم خطره ، إنه الدش : ذلك الجهاز الذي انتصب صنما على أسطح كثير من بيوت المسلمين ، انتصب شامخا ، ناخرا في قلوبهم وعقولهم ، ولو كان له لسان لردد وقال :
هل تعلمون من أنا أنا مصدّر الخنا
أنا الذي يصور الخبث بصورة السنا
أنا الذي بداركم يشرح أسرار الزنا
أنا عدو للبقاء أنا صديق للفنا
أختاه كان الشر متفرقا في أودية شتى ، فجمع في هذا الجهاز ، ترى المسلمة فيه ما يحرق قلوب أهل الإيمان ، ويفتت أكباد ذوي الغيرة0
من هدم للتوحيد ، وتحطيم للعقيدة ، من كفر ، وعهر ، وتدمير للعفاف ، وهتك للحياء ، وذبح للفضيلة ، وتعليم لسيء الأخلاق ، وأرذل الأقوال ، ومن تهييج للغرائز ، تأجيج للشهوات ، وتعليم للسرقات ، والمطاردات ، والمخدرات0
فلا إله إلا الله ، كم أسرة تفرق شملها ، وعفيفة هتك عرضها ، وزوجة فارقها زوجها ، وأم عقها ابنها ، وكم من أنفس أزهقت ، وأموال سلبت ، وأوقات ذهبت ، وأمانات ضيعت ، بسبب هذا الجهاز المدمر0
وتأملي أختاه في هذه الموقف المؤلم لذلك الأب الذي ضيع الأمانة ، وزرع في منزله بذور الخيانة ، عندما أدخل في منزله هذا الجهاز اللعين ، الذي يبث ما يندى له الجبين ، من عهر وفساد وزنا ، وفسق ومجون وخنا 0
فكانت النتيجة استدعاء له من أحد الجهات الأمينة ، فحضر إليهم فإذا بابنته واقفة عندهم بعد أن قبض عليها مع أحد الشباب ، وقف الأب أمام ابنته وهو يتمنى الموت قبل أن يراها في هذا الموقف ، صرخ دعوني اقتلها، لقد شوهت سمعتي ، لقد دمرت شرفي ، لقد سودت وجهي ، ونسي أنه قد قتلها من قبل ، نعم قتلها عندما قتل الدين ، والأخلاق ، والفضيلة والعفة والطهر فيها ، بإدخاله ذلك الجهاز عليها0
فصرخت الفتاة بهذه الأبيات لأبيها ومن على شاكلته من النائمين ، و المفرطين:
كفى لوما أبي أنت الملام كفاك فلم يعد يجد الملام
بأي مواجع الآلام أشكو أبي من أين يسعفني الكلام
عفافي يشتكي وينوح طهري ويغضي الطرف بالألم اهتشام
أنا العذرى يا أبتاه أمست على الأرجاس يبصرها الكرام
سهام العار تغرس في عفافي وما أدراك ما تلك السهام
أبي من ذا سيغضي الطرف عذرا وفي الأحشاء يختلج الحرام
أبي من ذا سيقبلني فتاتا لها في أعن الناس اتهام
جراح الجسم تلتئم اصطبارا وما للعرض إن جرح التآم
أبي هذا عفافي لا تلمني فمن كفيك دنسّه الحرام
زرعت بدارنا أطباق فسق جناها يا أبي سم وسام
تشب الكفر والإلحاد نارا لها بعيون فطرتنا اضطرام
نرى قصص الغرام فيحتوينا مثار النفس ما هذا الغرام
فنون إثارة قد أتقنوها بها قلب المشاهد مستهام
ترى الإغراء راقصة وكأسا وعهرا يرتقي عنه الكلام
كأنك قد جلبت لنا بغيا تراودنا إذا هجع النيام
فلو للصخر يا أبتاه قلب لثار فكيف يا أبتي الأنام
تخاصمني على أنقاض طهري وفيك اليوم لو تدري الخصام
أبي حطمتني وأتيت تبكي على الأنقاض ما هذا الحطام
أبي هذا جناك دماء طفل فمن فينا يا أبت الملام
الوقفة الثالثة:أنت ملكة
أختاه إن القلب ليحزن والعين لتدمع ، لحال تلك الفتاة التي رضيت أن تكون مع الخوالف ، وسلكت دروب الذلة و المتالف ، فهي بكل ساقطة ولاقطة تقتدي ، وعلى خطا كل نطيحة ومتردية تسير ، همها في الثرى وتظنه في الثريا ، وقلبها متعلق بكل شقي وشقية 0
فلهذه الفتاة أقول بأحرف تقطر شفقة ورحمة وحنانا :
أختاه يا قطعة من قلوبنا ، ويا بسمة أشرقت لها حياتنا ، ويا شمعة ننتظرها تضيء دروبنا ، إنني أطلب منك أن تتأملي معي هذا المنظر ، وتفكري في هذا المشهد :
فتاة تسير في طريق وعر موحش ، تكثر فيه الذئاب والسباع ، وأخرى تنظر إليها وتتأمل سيرها في تلك المهالك ، وهي تسير ، وتسير فجأة سقطت في حفرة عميقة سحيقة ، غابت فيها وانقطع صوتها ، وإذا بتلك الفتاة التي رأت ذلك كله ، ووقفت على نهاية تلك المسكينة ، إذا بها تسلك الطرق ذاته ، وتسير باتجاه تلك الحفرة التي سقطت فيها الفتاة المنكوبة0
أختاه أظنك سوف توافقينني الرأي أن هذه الفتاة قد تكون مجنونة ، أو مغفلة ، أو فاقدة لحسها وشعورها0
أختاه إن المتأمل لحال بعض الأخوات يجد هذا المثل واقعا ملموسا في حياتهن ، فيتملكك العجب ويعتصر القلب ألما ، ويذوب الكبد كمدا ، من فتاة مسلمة عاقلة ، جعلت قدوتها امرأة فاشلة ساقطة، أو كافرة ماجنة ، رأت فشلها وشقاءها وتعاستها بأم عينها 0
يحترق الفؤاد لتلك التي جعلت قدوتها المرأة الغربية ، معجبة بما نالته من حقوق ضيعت إنسانيتها ، وحريات سلبتها كرامتها وشرفها ، ومساواة دنست طهرها وعفافها 0
أصبحت سلعة تباع وتشترى ، ودمية يلعب بها وترمى ، وأداة لتحقيق المطامع ، وجسدا لتحصيل الملذات والشهوات 0
فلا يخفى على أحد ما وصلت عليه المرأة الغربية من تشرد وضياع وامتهان ، ولا أدل على ذلك من حالات الانتحار الذي انتشر بينهن ، بسبب ما يتعرضن له من اغتصاب ، واعتداء جنسي ، وإذلال وقهر ، باسم الحرية والمساواة ، تلك المسميات الذي خلصت الرجل الغربي من واجباته ومهماته وألقت بها على عاتق المرأة التي قبلت ذلك الوضع ظنا منها إن فيه إظهار لها وتعزيز لحضورها ومشاركتها وفعاليتها، ولقد لمست المرأة الغربية مؤخرا هذا التناقض المصادم للفطر السليمة ، والسنن الربانية 0
تقول (أولف هامر- وهي قاضية سويدية) : إن حرية المرأة الغربية حرية وهمية ، لأنها لم تمنح المرأة في الحقيقة المساواة بالرجل إلا بعد أن جردتها من صفاتها الأنثوية وحريتها الأنثوية ، وحقوقها الأنثوية ، لتجعل منها كائنا أقرب إلى الرجل 0
و تقول إحداهن وهي كاتبة إنجليزية (لقد كثرت الشاردات من بناتنا وعم البلاء وقل الباحثون عن أسباب ذلك ، وإني كامرأة تراني أنظر إلى هاتيك البنات وقلبي يتفطر حسرة وشفقة عليهن ، وماذا عسى أن يفيدهن بثي وحزني ، وإن شاركني في ذلك الناس جميعا) ، وفي استطلاع للرأي قامت به شركة (سي إن إن ) بالتعاون مع صحيفة ( يو إس تو داي) كانت نتيجته أن خمسة وأربعين في المائة 45% من النساء الأمريكيات أكدن أن نشاط النساء وتحركاتهن في مجال العمل خلال العشرين سنة الماضية جعل الحياة أكثر صعوبة وتعقيدا ولم يؤد إلى خير قط0
ويعتقد خمسة وأربعين في المائة منهن 45% أنه يتعين على الرجل العمل والكدح خارج البيت لتوفير أسباب المعيشة لعائلته بينما يجب على المرأة أن تبقى في المنزل ، وأن تكرس حياتها ووقتها بشكل كامل وتام لشؤون العائلة0
وتقول آن روره وهي كاتبة إنجليزية وتأملي في كلامها يا رعاك الله : تقول (لإن تشتغل بناتنا في البيوت خادمات أو كالخادمات خير وأخف بلاء من اشتغالهن في المعامل حيث تصبح البنت ملوثة بأدران تذهب برونق حياتها إلى الأبد ، ألا ليت بلادنا كبلاد المسلمين ، فيها الحشمة والعفاف والطهر رداء ، نعم إنه لعار على بلاد الإنجليز أن تجعل بناتها مثلا للرذائل بكثرة مخالطة الرجال ، فما بالنا لا نسعى وراء ما يجعل البنت تعمل بما يوافق فطرتها الطبيعية من القيام في البيت ، وترك أعمال الرجال للرجال سلامة لشرفها)
وتأملي أختاه في كلامها ( ألا ليت بلادنا كبلاد المسلمين )وتأملي أيضا ( وترك أعمال الرجال للرجال سلامة لشرفها) ، ماذا عساهم يقولون المغترون بالحثالة الغربية بعد ذلك ، حدثني رجل من الجالية العربية المقيمة في نيوزلندا أن ابنته دخلت عليه يوما حزينة كئيبة فسألها عن السبب فأخبرته بأن صديقتها في الجامعة طردتها أمها من البيت لأنها أصبحت امرأة تستطيع أن تطعم نفسها وتدير شئونها ، يقول الرجل فذهبت مع ابنتي وتلك الفتاة إلى أمها ، وبعد محاولات ، وصولات وجولات ، وافقت الأم على عودة ابنتها بشروط :أولا : تقيم فترة دراستها فقط ، وبعد ذلك عليها بالمغادرة فورا ، ثانيا :عليها أن تدفع أجرة الغرفة التي سوف تنام فيها ، ثالثا : عليها أن تدفع قيمة الماء والطعام الذي تأكله ، يقول الرجل حتى أنها تحسب عليها قيمة العصير الذي تشربه ، ولك أن تتسائلين يا أختاه من أين سوف تحضر قيمة السكن والطعام لأمها0
أختاه هذا هو ما وصلت إليه المرأة الغربية لقد سئمت حياة التحرر بل التحلل ، ولم تعد تطيقها ، وجعلت ترفع صوتها ، وتنادي من حولها محذرة ، فهاهي هذه السويسرية (آنا ريبورن) تضم صوتها إلى من قبلها ، وتنادي : أيتها النساء قد حان وقت الشجاعة الحقيقية لإعلان رفض دعوة الحرية المتحللة0
ومع هذا لا يزال دعاة تضليل المرأة في العالم الإسلامي ينادون ويطالبون بكل إصرار أن تحذو المرأة المسلمة حذو المرأة الغربية في جميع نواحي الحياة ، ماذا يريدون ، يريدون أن يخرجوها من نور الإسلام الذي حفظ حقها وهي جنينا في بطن أمها ، ورعاها بنتا ، وصانها أختا ، وأجلّها أما ، وقدرها زوجة ، ألزم الرجل برعايتها إلى أن يواريها قبرها، يريدون أن يخرجونها وينزلونها من عرشها إلى ذلك الظلام الذي تتخبط فيه تلك المجتمعات المنحلة ، يردونك أختاه أن تنغمسي في ذلك النتن ، وتستنشقي تلك القذارات ، وتتلطخي بتلك النجاسات0
وهذه رسالة أوجهها لك أنت ، نعم أنت يا أختاه ، لقد تألمت حينما بلغني خبرك وعلمت أنك معجبة بالفنانة الفلانية ، بل ساءني أنك تفخرين ، وبها تقتدين ، وعلى خطاها تسيرين ، وأنها مثلك الأعلى وأنك تتمنين أن تكونوا مثلها وتنالين تلك الشهرة ، التي نالتها 0
أختاه هل تعرفين (مارلين منرو ) ، إنها ممثلة عالمية بلغت من الجمال والمال والشهرة مبلغا جعل صورها تملأ صحف العالم ، هذه الممثلة وجدت منتحرة ، لا تعجبين أختاه من قتلها لنفسها فهذا شيء طبيعي لمن عاش في المستنقع العفن الذي يسمى الفن ، فهو فضائح وقبائح ، مجون وسجون ، فواحش ومنكرات ، إدمان ومخدرات ، إذا لم يتغمد ربنا صاحبه برحمة وتوبة قبل الممات0
أختاه لقد وجد في صندوق أمانات هذه الفنانة رسالة مكتوبة بخط يدها موجهة لفتاة تطلب نصيحة مارلين منرو في التمثيل فأرسلت إليها تقول (احذري المجد ، احذري كل من يخدعك بالأضواء ، إنني أتعس امرأة على هذه الأرض ، لم أستطع أن أكون أما ، إني امرأة أفضل البيت ، أفضل الحياة العائلية على كل شيء ، إن سعادة المرأة الحقيقية في الحياة العائلية الشريفة الطاهرة ، بل إن هذه الحياة – وتعني الحياة الأسرية – لهي رمز سعادة المرأة بل الإنسانية )
أختاه هل تأملت كلامها ( إنني أتعس امرأة على وجه الأرض ) ، ومصداق كلامها أنها انتحرت ، وهذه نتيجة طبيعية لذلك الشقاء والبؤس والتعاسة التي كانت تذوق مرارتها0
وتقول الممثلة المشهورة (برجيت باردو ) : كنت غارقة في الفساد الذي أصبحت في وقت رمزا له ، لكن المفارقة أن الناس أحبوني عارية ورجموني عندما تبت ، عندما أشاهد الآن أحد أفلامي السابقة فإنني أبصق على نفسي وأقفل الجهاز فورا ، كم كنت سافلة ، قمة السعادة للإنسان الزواج ، إذا رأيت امرأة مع رجل ومعهما أولادهما أساءل في سري : لماذا أنا محرومة من مثل هذه النعمة) ، أختاه هل تأملت كلامها ( إن الناس أحبوني عارية ورجموني عندما تبت ) ، لأنهم لا يريدونها إلا لشهواتهم ورغباتهم ، أما إذا ترفعت عن تلك القذارات فإنهم لا يريدونها ، بل يمقتونها يحاربونها ، وإذا تقدم بها العمر ، وبدأ العجز يدب إليها ، وذهبت نضارتها وجمالها رمى بها المجتمع ولفظها ، كأي قطعة لبان أخذوا منها حلاوتها، لتعيش بقية حياتها في ملجأ إن لم يكن لها مال ، أو تنزوي في بيت لها وحيدة ، لا أنيس لها سوى كلب أو هرة اقتنتها لتتسلى بها وتعوضها عن مشاعر عطف و حنان فقدتها ، ومن يمر على بيوت العجزة في تلك الديار يرى ذلك أمامه عيانا0
أختاه هذه أمثلة لحياة تلك القدوات اللاتي اغتر بهن كثير من الفتيات، حياة الشقاء والبلاء ، والضنك والعناء ، والهم والغم ، وهذه حكمة إلهية ، وسنة ربانية (( ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا )) ، تقول الفنانة التائبة سهير عابدين التي كانت تعرف بهالة الصافي : قضيت كل السنين الماضية صديقة للشيطان ، لا أعرف سوى اللهو والرقص ، كنت أعيش حياة كريهة حقيرة ، كنت دائما عصبية ، والآن أشعر أنني مولودة جديدة ، أشعر أنني في يد أمينة تحنو علي وتباركني ، يد الله سبحانه وتعالى) وتقول ( هالة الصافي ماتت ودفن معها ماضيها ، أما أنا فاسمي سهير عابدين ، أم كريم ، ربة بيت ، أعيش مع ابني وزوجي ، ترافقني دموع الندم على أيام قضيتها من عمري بعيدة عن خالقي الذي أعطاني كل شيء ، إنني الآن مولودة جديدة ، أشعر بالراحة والأمان بعد أن كان القلق والحزن صديقي ، وبالرغم من الثراء والسهر واللهو ) ، تقول أحد التائبات ، التي كانت مخدوعة بتلك القدوات :كنت أنظر إلى جيل أهل الفن والتمثيل أنهم هم القدوات ، وكانت تشدني أشخاصهم وتأخذ بنفسي ، بل إن هذه العواطف لم تبق حبيسة النفس فانعكست آثارها على مظهري فصار لباسي ، وقصة شعري وحذائي وحقيبتي بل كل ما أقتنيه صار ذلك معرضا متنقلا لمقتنياتهم ، وبعد أن هداني الله شعرت أن هؤلاء عالم آخر ، وجحيم لا يطاق ، وصدقت والله ، فهل من معتبرة ، قبل أن تكون عبرة0
أختاه إنه تحذير النذير العريان ، نداء العائد من الجحيم ، والخارج من طريق المهالك ، أختاه احذري ، تنبهي ، لا تغتري ، لا تنخدعي يا فتاة الإسلام ، فهذه حياتهن ، وتلك خطواتهن ، إنه بؤس وشقاء دنيوي ، وذل وهوان وعذاب أخروي 0
أختاه أنت ملكة ، ملكة بدينك ، وأخلاقك ، وطهرك وعفافك ملكة ، تتربعين على عرش المجد ،و قمة العز ، وتلبسين تاج الطهر والنقاء والصفاء ، فلا تضعين هذا التاج من على رأسك ، لا تتركين هذا الفخر يضيع من بين يديك0
أختاه إنهم يحسدونك على هذه المكانة العظيمة التي حباك الإسلام إياها ، إنهم يريدون أن ينزلونك من علياءك ، إلى الأسفل ، إلى تلك المستنقعات الآسنة ، والأوحال العفنة النتنة ،
أختاه أنت الآن الحصن الحصين الذي يسعون لهدمه ، ليلجوا من خلاله ، حتى يدمروا الإسلام والمسلمين ، والمتابع للواقع الآن يلمس هذه الحرب الشعواء على المرأة المسلمة وعلى كل مظاهر الإسلام فيها0
صرح أحد أقطاب النصارى في أحد مؤتمراتهم قائلا ( إن الأثر الذي تحدثه الأم في أطفالها حتى العاشرة بالغ الأهمية ، وبما أن النساء هن العنصر المحافظ في الدفاع عن العقيدة ، فإن على الهيئات التنصيرية العمل بين النساء المسلمات كوسيلة مهمة للتعجيل بتحويل البلاد الإسلامية إلى نصرانية) ، أختاه هل تأملت قوله قاتله الله (وبما أن النساء هن العنصر المحافظ في الدفاع عن العقيدة ) ، إنهم يعلمون دورك الهام في حماية الدين وحفظ العقيدة ، فيسعون للقضاء على هذا العنصر الفعال في حماية الأمة ، ويقول خبيث آخر وهو الدكتور مدرو بيرغر ( إن المرأة المسلمة هي أقدر فئات المجتمع الإسلامي على جره إلى التحلل والفساد أو إلى حظيرته من جديد) ، صدق وهو كذوب ، أختاه هل بعد هذه التصاريح ، من تبريرات ، وتحليلات ، إنه الحرب على الإسلام ، والمسلمين ، وعلى جزء غال فينا ، بل قطعة من قلوبنا ، إنها أنت ، رعاك الله وحماك ، من كيدهن ومكرهن ( ويمكرون ، ويمكر الله والله خير الماكرين)0
خاتمة الوقفة الرابعة: رسالة إلى أم
أختاه تأملي في هذه الرسالة المعبرة : أماه أنا ابنتك 00أماه هل تسمعيني؟ هل تنصتين إلي ؟ هل تسمعين صراخي وأناتي ؟ إذا كنت لا تريني فهأنذا بين يديك ، وقلبي متعلق براحتيك ، فادني مني وقربيني إليك ،لأرتمي بحضنك ، وأبث شكوتي ، فكفكفي حزني ، وامسحي دمعي ، كبليني بقيودك ، قيود الشفقة والحنان ، والعطف والإحسان ، قيود نصح صادق من الأعماق ، كبليني بقيودك فلا قيد أطيق اليوم سوى قيدك يا أماه ، احميني من ذئاب هذا الزمن وشبح الأيام ، اغمريني ببرد حبك ، ودفء حضنك ، وحلاوة نصحك ، لا تدعيني ضائعة في دروب الحياة ، لا تتركيني أتخبط في جحيم العصاة ، أكون أسيرة بين أيديهم ، يفعلون بي ما يشاؤون ، يبيعونني في أي سوق ويشترون ، كالسلعة التي عليها يسومون ، وعلى بضائعها ينادون ، أماه لا تتركيني حائرة تائهة بزنزانة الأوغاد ، قلوبهم مليئة أحقاد ، يريدون فساد و أي فساد ، يردون هلاك الحرث والنسل والأخلاق فهل أنقاد ، هل أكون عمياء تقاد ، إلى حتفها ، إلى هلاكها ، إلى وادي الضياع والسقوط والرذيلة وأي واد0
أماه أماه أنقذيني 00أنقذيني من جحيم معركة خططها اليهود ، قد جهزوها بالعتاد والجنود ، في معارك ألبسوها قناع السلام ، وهم بخفاياهم لئام ، يطلقون أسراب بيض من حمام ، والخبث ضدي يحاك في الظلام0
أماه أنقذيني فبعد الله بظلك أحتمي ، وعلى بساط غيرتك أمي أرتمي ، أرجوك رجاء يقطع نياط قلوب المشفقين ، وادعوك أمي فهل لتضرعي تستجبين ، أماه من لي غيرك بعد الله يحميني00 فأين تذهبين ، من لجراحي وهمومي وآلامي فلا تعرضين ، أقولها بأعلى صوتي أماه أدركيني ، لا تدعيني ، وبعطفك ونصحك غطيني ، وبصدق كلامك أرشديني ، أنقذيني وأيقظيني من هذا السبات العميق ، فقلبي يشتعل كالحريق ، ودمعتي وحسرتي تأكل مني الأخضر واليابس ، فلا تدعيني في الطريق المظلم وحدي ، أمسكي بيدي ، وقربيني إلى طريق الطاعة ، أماه أنا أتخبط هنا وهناك ، ضائعة ظمأى ،فأرجوك 00أرجوك 00أحميني ، لا تدعيني ، لا تتركيني0
انتهت بتصرف من كتيب رسالة إلى أم ، أختاه كانت هذه صرخة من فتاة حائرة ضائعة ، تاهت بها في دروب الحياة الأقدام ، وتلطخ قلبها وبدنها بالمعاصي والآثام ، وهاهي عبر صفحات تلك الرسالة تنثر همومها وغمومها ، وحسراتها ، وزفراتها ، في كلماتها0
مسكينة ظنت أن السعادة أن تحيا حياة العبث ، وتتلذذ تلذذ البهائم ، ونسيت ، أو نسيت ، أو تناست ، أنها ما خلقت عبثا ولم تترك هملا (( وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون )) ، (( أفحسبتم أنا خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون))0
فلهذه الأخت ولغيرها ممن أخطأن طريق السعادة والنجاة أقول : أختاه إن تلك الكلمات التي مزجت منك بعبارات ، وخالطتها من دم قلبك قطرات ، وزادها عذوبة وحلاوة صدق التوبة والتأسفات ، لو سمعتها أمك لكانت عليك من المشفقات ، ولغفرت لك التقصير والزلات ، وأثق في عاطفتها ، وحنانها ، وعطفها ، أن تمد لك يديها ، وتفتح لك ساعديها ، لترتمي في حضنها ، وترددي عبارات الندم في أذنيها ، ورأسك منطرح بين سحرها ونحرها 0
ولا عجب فهي أم ، وتعرفين ما معنى أم ، أم معناها حب يتدفق ، حنان يتزايد ، عطف ليس له مثيل ، شفقة ندر تجدين مثلها ، أم معناها الرحمة في أعلى مقامتها ،و الإيثار في أبهى صوره ، والبر في أعلى درجاته0
ولكن أختاه هل تعلمين أن هناك رحمة أعظم من رحمة أمك التي أنت قطعة منها ، رحمة لو جمع ما خلق الله من مشاعر الرحمة في الجن والإنس ، وجميع المخلوقات ، منذ أن خلق الله الخلق إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ، ما بلغت هباءة حقيرة في فضاء كون واسع ، إنها رحمة الله ، الرحمن الرحيم الذي وسعت رحمة كل شيء ، (( ورحمتي وسعت كل شيء ، فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون-الأعراف55)) ، في الحديث المتفق عليه قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبي فإذا امرأة من السبي تسعى إذ وجدت صبيا في السبي فأخذته فألزقته ببطنها فأرضعته فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه ( أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار ؟ قلنا لا والله ، فقال عليه الصلاة والسلام لله أرحم بعباده من هذه بولدها)
أستغفر الله ربي في مناجاتي فهو العليم بآثامي وزلاتي
وهو الغفور ولي في عفوه طمع إذابسطت له كف الضراعاتي
مالي سوى بابه باب ألوذ به إن نأى ظهري بأوزار الخطيئات
سبحانه وسعت ساحات رحمته أهل الأراضي وسكان السموات
أختاه الناس كلهم يولدون مرة واحدة إلا التائب فإنه يولد مرتين ، المرة الأولى يوم خرج من ظلمات رحم أمه إلى نور الدنيا 0
وميلاد ثاني : يوم أن تخرجين ، من ظلمة المعصية ، ودنس الخطيئة ، إلى نور الطاعة ، وطهر الهداية ، وجنة الاستقامة0
ولدتك أمك يا ابن آدم باكيا والناس حولك يضحكون سرورا
فاعمل لنفسك أن تكون إذا بكوا في يوم موتك ضاحكا مسرورا
إنه ميلاد يوقظ القلب ، ويهز النفس ، إنها لحظات تمر بالغالية فتشعرها أنها ما خلقت عبثا ، وتنبهها أنها لن تترك سدى ، نعم 00إنها هزة 00فاستيقاظ من غفلة 00فمحاسبة للنفس00فدمعة على الخد ، وما أغلاها من دمعة ، دمعة تغسل رجس الآثام ، وتمحو دنس الخطيئة ، وتزيل ركام الغفلة ، و ظلام الإعراض ، من على قلب طالما أعرض عن مولاه ، وتاهت في دروب البعد والشقاء والعناء خطاه0
قالت : كم بكيت وبكيت ، كدت انتهي وبكائي لا ينتهي ، كنت أبكي بحثا عن السعادة ، بينما أنا في دياجير الظلام ، وصحاري التيه ، هداني ربي إلى بصيص من النور ساقه إلي عبر شريط إسلامي ، كان بالنسبة لي نقطة تحول وعلامة بارزة ، بفضل الله عدت وما أجملها من عودة ، وبفضله حييت وما أجملها من حياة ، وبفضله بكيت وما أجمله من بكاء ، توضأت وأنا أبكي ، فرشت سجادة صلاتي وأنا أبكي ، لبست ثوب صلاتي وأنا أبكي ، كبرت تكبيرة الإحرام وأنا أبكي ، ركعت وأنا أبكي ، خررت ساجدة وأنا أبكي ، أجهشت بالبكاء فبكيت وبكيت والناس يغطون في نوم عميق ، اغرورقت عيناي و دمعهما منهمر ، بلل سجادة صلاتي بعد أن بلل وجنتي ، بكيت حسرة ، وندما على الماضي ، أيام الإغماءة والغيبوبة والغفلة ، دمعة الماضي دمعة ، ودمعة الحاضر دمعة ، ولكن شتان بينهما ، دمعة الماضي عذاب ، وإحباط ، وحسرة ، وأخشى أن تكون حجة عليّ في الآخرة ، ودمعة الحاضر خشية ، وسعادة ، وسمو ، وأنس أرجو أن تكون سببا في أن يظلني الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله0
قال الفضيل بن عياض رحمه الله : ما من ليلة اختلط ظلامها إلا نادى الجليل جل جلاله :
*من أعظم مني جودا والخلائق لي عاصون ، وأنا أكلؤهم في مضاجعهم ، كأنهم لم يعصوني ، وأتولى حفظهم كأنهم لم يذنبوا
*أجود بالفضل على العاصي ، وأتفضل على المسيء
*من الذي دعاني فلم ألبه؟
*أو من الذي سألني فلم أعطه؟
*أنا الجواد ومني الجود
*أنا الكريم ومني الكرم ، ومن كرمي أني أعطي العبد ما سألني ، وأعطيه ما لم يسألني ، ومن كرمي أني أعطي التائب كأن لم يعصني
*فأين عني يهرب الخلق؟
وأين عن بابي يتنحى العاصون؟!
أختاه هلا انطرحت بين يديه سبحانه ، ورجوت عفوه وغفرانه ، وطلبت الصفح وجأرت إني ندمانه ، وهو يناديك ، وهو غني عني وعنك يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ماكان منك ولا أبالي ، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي ، فمالنا عنه معرضين ، وفي منه وجوده زاهدين ، وهو أرحم الراحمين0
ينادينا وهو غني عنا ((قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ، إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم))
يأمرنا بالمبادرة قبل نزول العذاب ،وقبل اللوم والعتاب (( وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون ، واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون ))
حينها تتحسر نفوس العاصين ، ويعظم ندم وألم المفرطين (( أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين ، أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين )) ، ويتمنون الرجوع ، حتى يكون منهم النزوع والدموع والخضوع (( أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين )) ، ((حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت ، كلا ، إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون)) ، أختاه بدأت أفكاري تتشتت ، و حبر قلمي يتقطع منذرا بقرب نفاده ، وأوراقي تتبعثر فارة مني تدعوني إلى التوقف رأفة بك وبها ، وأجدني في الختام أودعك بدعوات لرب البريات أن يجعل هذه الساعة ساعة استجابة ، يا الله ، يا حي يا قيوم ، يا كاشف النكبات ، يا رب البريات ، من علينا بالعطايا والهبات ، اغفر ذنوبنا والسيئات ، وتقبل أعمالنا الصالحات ، واجعل مآلنا إلى الجنات0
اللهم ارحم أمهاتنا ، واحفظ أخواتنا ، واحم بناتنا ، واستر عوراتنا ، اللهم مم أرادهن بسوء فاردده ، واجعل كيده عليه ، وتدبيره تدميره ، يا سميع الدعاء ، اللهم احفظهن بحفظك واكلأهن برعايتك ، واجعل الحياة زيادة لهم من كل خير ، واجعلهن حافظات محفوظات ، مصونات مكرمات معززات قائمات بأمرك ، ولما حرمت مجتنبات ، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين0
   طباعة 
0 صوت
التعليقات : 0 تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/1000
تعليقك
9 + 1 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المقال السابقة
المقالات المتشابهة المقال التالية
جديد المقالات
جديد المقالات
هل تستيقظ من السبات ؟؟ - ركــــن الـمـقـالات
إسقاط الرموز - ركــــن الـمـقـالات
أنا النذير العريان - ركــــن الـمـقـالات
( تحرر أم تحلل) - ركــــن الـمـقـالات
القائمة الرئيسية
عدد الزوار
انت الزائر :640883
[يتصفح الموقع حالياً [ 5
الاعضاء :0 الزوار :5
تفاصيل المتواجدون
Powered by: MktbaGold 6.3
تصميم وتطوير : مجموعة الاحلام ديزاين